أحمد بن علي الطبرسي

174

الاحتجاج

ما يغنيك ، والظاهر منا البارز بنفسه المعلوم بحده ، فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى . وأما ( الباطن ) : فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ، ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا ، كقول القائل : بطنته بمعنى : ( خبرته ) وعلمت مكنون سره ، والباطن منا الغاير في الشئ المستتر فيه ، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى . قال : وهكذا جميع الأسماء وإن كنا لم نسمها كلها . وكان المأمون لما أراد أن يستخلف الرضا ، جمع بني هاشم فقال : إني أريد أن استعمل الرضا عليه السلام على هذا الأمر من بعدي . فحسده بنو هاشم وقالوا : أتولي رجلا جاهلا ، ليس له بصر بتدبير الخلافة ؟ فابعث إليه يأتنا فترى من جهله ما تستدل به ! فبعث إليه فأتاه فقال له بنو هاشم : يا أبا الحسن إصعد المنبر وانصب لنا علما نعبد الله عليه ، فصعد المنبر فقعد مليا لا يتكلم مطرقا ثم انتفض انتفاضة فاستوى قائما وحمد الله تعالى وأثنى عليه ، وصلى على نبيه وأهل بيته ، ثم قال : أول عبادة الله معرفته ، وأصل معرفة الله توحيده ، ونظام توحيده نفي الصفات عنه ، ( 1 ) بشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق ، وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف ، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران ، وشهادة الاقتران بالحدث ، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث ، ( 2 ) فليس الله عرف من عرف ذاته بالتشبيه ، ولا إياه وحد من

--> ( 1 ) ( أول عبادة الله ) أي : أشرفها وأقدمها رتبة ( معرفته ) تعالى لأن الطاعة والعبادة تأتي بعد المعرفة فهي متأخرة رتبة عنها ولا تقبل عبادة بدون المعرفة فهي دونها في الشرف أيضا ( وأصل معرفة الله توحيده ) أي تنزيهه عن التركيب والشركة ( ونظام التوحيد ) أي تمامه وكماله ( نفي الصفات الزائدة عنه ) فلا يتم التوحيد إلا بالقول بأن صفاته تعالى عين ذاته ( 2 ) ثم إنه عليه السلام شرع بإقامة الدليل على نفي الصفات الزائدة على الذات فقال : ( لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق ) وذلك أن الصفة لا قوام لها إلا بالموصوف فهي محتاجة إليه لا تنفك عنه . وبها كمال الموصوف فهو محتاج إليها . والحاجة دليل الإمكان ( وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ) غنيا بذاته ( ليس بصفة ) حتى يفتقر إلى الموصوف ليقوم به ذاته ( ولا موصوف ) حتى يحتاج إلى الصفة لكي يكمل بها ذاته ( وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران ) لما عرفت من حاجة بعضها إلى الآخر وشهادة الاقتران بالحدث . . الخ توضيح ذلك : هو أن الصفة والموصوف أما أن يكونا قديمين . أو يكون أحدهما قديما والآخر حادثا أو يكونا حادثين . ولا رابع لهذا الحصر الثلاثي . والأول باطل لما يلزم منه القول بتعدد القدماء وقد ثبت بطلانه . والثاني يبطله الاقتران والحاجة والافتقار لما ألمحنا إليه آنفا وحينئذ يثبت القول الثالث وهو المطلوب .